الشيخ محمد الجواهري

35

الواضح في شرح العروة الوثقى ( الحج )

--> ربما أشكل علينا هلال رمضان فلا نراه ونرى السماء ليس فيها علّة ، فيفطر الناس ونفطر معهم ، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا : إنه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والأندلس ، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب حتّى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا ؟ فوقع ( عليه السلام ) : لا تصومن من الشك ، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته » التهذيب 4 : 159 / 446 . وجه الاستشهاد بهذه الرواية هو دلالة كلام السائل على ارتكاز فكرة اختلاف الآفاق في ذهنه ، بحيث لم يكن شك في أنّه على تقدير صحّة قول الحسّاب من رؤية الهلال في تلك الليلة بمصر وإفريقية والأندلس سيختلف الفرض على أهل الأمصار ، أي يكون صيام رمضان واجباً على خصوص من كان الهلال قابلاً للرؤية في بلدانهم ، ولم يخطر بباله احتمال أن يجب الصيام على أهل بلده بالرغم من عدم قابلية الهلال فيه للرؤية وإن رؤي في بلد آخر . وأما جواب الإمام ( عليه السلام ) فلا يدل على ردع السائل عن المرتكز المذكور إن لم يدل على إقراره عليه كما سيأتي توضيحه إن شاء الله ، هذا أهم ما يمكن الاستشهاد به على كون العبرة في دخول الشهر القمري في كل مكان بقابلية الهلال للرؤية فيه » المصدر المتقدم 18 - 19 . أقول : ليس في ذلك تقرير من الإمام له على ذلك بل اعراض عما هو المرتكز في ذهن السائل والجواب له بأنه لا يجب عليه صوم يوم الشك ، هذا أولاً . وثانياً : أليس في قوله ( عليه السلام ) : « افطر لرؤيته وصم لرؤيته » ردع عن ذلك ودلالة على أن الصوم والفطر إنما يجبان برؤية الهلال ، ورؤية الهلال فيه مطلقة لم تقيد بأي مقيد ، ففي أي بلد كانت الرؤية متحققة صدق صم « للرؤية » وافطر « للرؤية » ولذا ورد عنهم ( عليه السلام ) عدة صحاح - سيأتي استدلال السيد الأستاذ « السيد الخوئي » بها - دالة على أنه إذا رؤي الهلال في مصر من الأمصار فاقضه ، أي بالنسبة إلى يوم الشك انه من رمضان أو لا . وليس الملاك في الصوم والفطر هو حساب الحسّاب . وثالثاً : لو فرض تقرير الإمام ( عليه السلام ) له فهو تقرير لحساب الحسّاب الذي قد يصيب وقد يخطئ ، ولا شك أنه ( عليه السلام ) بقوله : « افطر لرؤيته وصم لرؤيته » ردع عن « حساب الحسّاب » فإن الهلال لا يثبت بقول الحسّاب ، وانما الملاك في ثبوته إنما هو الرؤية وهي الموجبة للفطر أو الصوم لجميع المكلفين ، فلا يكون صومهم خلاف صومنا ولا فطرهم خلاف فطرنا . ثم قال القائل المتقدم : « هذا أهم ما يمكن الاستشهاد به على كون العبرة في دخول الشهر القمري في كل مكان بقابلية الهلال للرؤية فيه . » المصدر المتقدم : 19 . أقول : لم يستند المشهور في قولهم بأن لكل مكان أفقهم الخاص بهم - لهم ولمن قرب منهم - إلى هذه الوجوه التي ذكرت ، وإنما كان استنادهم في ذلك ليس إلاّ تخيل ان ارتباط آخر مرحلة من سير القمر - وهو خروجه من تحت الشعاع - ببقاع الأرض ليس إلاّ كارتباط طلوع الشمس وغروبها بهذه البقاع ، ولذا قال في الجواهر « دون البلاد البعيدة المتباعدة كالعراق وخراسان ونحوهما مما علم فيه اختلاف المطالع أو احتمل » ومع ذلك أشكل عليهم ( قدس سره ) « بمنع اختلاف المطالع في الربع المسكون إما لعدم كروية الأرض بل هي مسطحة فلا تختلف المطالع حينئذ ، وإما لكونه قدراً يسيراً لا اعتداد باختلافه بالنسبة إلى علو السماء » الجواهر 16 : 360 - 361 ، وكذا في الحدائق 13 : 263 - 264 ، وفي المستند 10 : 422 - 423 ، وفي الدروس 1 : 285 ، وغيرها ، بل ذكر ذلك من ذهب إلى هذا الرأي أو لم يذهب من علماء الجمهور كالكاشاني الحنفي ، بدائع الصنائع 2 : 83 ، وابن قدامة المغني 3 : 7 ،